أحدث الاخبار

كيف تَجعل مِن مُعسكر اعتقال مصدرَ إنتاجٍ يَرفعُ اقتصادَ الدّولة؟ الإجابةُ عِند ستالين

كيف تَجعل مِن مُعسكر اعتقال مصدرَ إنتاجٍ يَرفعُ اقتصادَ الدّولة؟ الإجابةُ عِند ستالين



اقتصاد المعسكرات

انتهج نظام الاتحاد السوفيتي في عهد ستالين القمعَ لمجابهة كل من سوّلت له نفسه بالخروج عن القانون أو اعتناق فكر مخالف للشيوعية، كما احتُجزت أعدادٍ هائلة عبثًا فقط لملئ حصص الاعتقال Arrest quotas الموكَلة إلى مسؤولي الشرطة الخاصة ابتداءً من سنة 1937.. وهكذا فقد “ازدهرت” معسكرات الاعتقال في عهد ستالين لتضمّ الملايين.. فما قصّة هذه المعسكرات وما علاقتها بالاقتصاد السوفيتي؟

لمحة تاريخية

كلمة GULAG اختصارٌ لعبارة “إدارة معسكرات العمل الشاق لإعادة التربية Chief Administration of Corrective Labour Camps”، واستُعملت لاحقًا كاسمٍ عَلَم للدلالة على المعسكرات نفسها.

يمكن تتبّع أصول هذا النوع من المؤسسات العقابية في روسيا إلى القرن السابع عشر أثناء حكم الامبراطور الروسي بطرس الأكبر Peter the Great الذي أنشأ معتقلات katorga في سيبيريا لنفي المعارضين السياسيين والمجرمين، مع إرغامهم على العمل في ظروف قاسية.

أمّا معسكرات العمل الشاق بشكلها الحديث فقد تأسّست بعد ثورة 1917، وبدأ استعمالها من طرف فلاديمير لينين خلال الحرب الأهلية الروسية لاحتجاز “أعداء الشعب” أي: مُعارضو الشيوعية من السياسيين والمفكرين والعامة، وكل من ينتمي إلى الأرستقراطية أو البرجوازية الذِين لم يخضعوا للتصوّر الشيوعي للمجتمع الجديد.

اقرأ أيضا: صدّر القمح للخارج ومات الناس في أوكرانيا جوعًا.. حكاية مجاعة أوكرانيا وديكتاتورية ستالين

العمل جوهر الإنسان

ملصق إعلاني سوفيتي يحُثّ على العمل
ملصق إعلاني سوفيتي يحُثّ على العمل

انتقال قيادة الاتحاد السوفيتي من تركيز العقوبات في السجون إلى العقاب في معسكرات العمل الشاق انبثق عن رغبة الفكر الماركسي- اللينيني Marxism-Leninism في خلق “الإنسان السوفيتي الجديد The New Soviet Person” المتشبّع بالقيم التي يحتاجها المجتمع الشيوعي لينمو ويزدهر.

مواصفات المواطن السوفيتي المثالي كانت تتمثل في: التعليم الجيّد، العمل الجاد، الخضوع التام لسياسة الدولة والتفاني من أجل الوطن والحزب الشيوعي الحاكم.

وبما أنّ الشيوعية تنادي بتقليص طبقات المجتمع إلى طبقة واحدة هي الطبقة الكادحة (العمّال) فقد استُخدِمت معسكرات العمل الشاق لفرض “العمل” على الخارجين عن القانون والتصوّر الشيوعي كوسيلة تأديبية تهدف إلى إعادة تربية المعتقلين وفق المنهج الشيوعي.

مُعسكر جزيرة Solovski

جزيرة سولوفسكي
جزيرة سولوفسكي

يتّفق المؤرّخون على أنّ السِجن الخاص في جزيرة سولوفسكي Solovski Special Prison هو النّواة الحقيقية لمعسكرات العمل الشاق الستالينية التي اجتاحت الاتحاد السوفيتي عددًا ورُعبًا.

تأسّس سجن سولوفسكي سنة 1923 مكانَ دير سولوفسكي المُطلّ على البحر الأبيض، وذلك بعد أن دُمّرت أجزاء من هيكل الدير وأُعدِم العديد من الرّهبان القائمين عليه من طرف السُلطة الشيوعية المُعادية للدِين.

الموقعُ المنعزلُ للديرِ المترامي على أطراف الشمال الشرقي الروسي جعل المكانَ مُغريًا لاحتجاز السّجناء نظرًا لانزوائه الذي يحطّم حلم الفرار والحرية.

النقطة الفارقة في تحوّل معسكر سولوفسكي إلى مثال يُقتدى به في تنظيم المعتقلات تمثّلت في اقتراحٍ من السجين نافتالي فرنكل Naftaly Frenkel الذي أشار على إدارة المعسكر بربط كمية الطعام الموزّعة على المُحتجزين بحجم العمل الذي يقومون به، وهو ما يُطلق عليه “مقياس التغذية Nourishment Scale” الذي يهدف إلى تشجيع السجناء على بذل جهد أكبر في سبيل الحصول على ما يسدّ جوعهم.

يقال أنّ فرنكل أرسل عبر بريد شكاوي السجناء وصفًا دقيقًا لكيفية تنظيم المعسكر بحيث يتم استغلال العنصر البشري (المعتقلين) لتحقيق إنجازات تدعم اقتصاد الدّولة، ورأى أنّ زيادة كمّية الطعام الممنوحة إغراءٌ كافي لتحسين مردود العمل.

نتيجة لهذا الاقتراح، تمّت ترقية فرنكل من سجين إلى حارس، و طُبِّقت نظريته في معسكر سولوفسكي لاختبارها، ثم توسّع العمل بها في كافّة المعسكرات عبر تراب الاتحاد السوفيتي؛ ورغم أنّ هذه الطريقة لاقت استحسانًا كبيرا من القيادة ولاءمت -ولو نظريًا- السّجناء الأقوياء، إلاّ أنّها أنهكت ضعفاء البنية والمرضى فخلقت هوّة في المردود الفردي للمعتقلين، الأمر الذي شجّع الإدارات على تفضيل الأقوياء من المعتقلين وتعريض الآخرين إلى أنواع العذاب وصولاً إلى الإعدام لأنّهم لا يحقّقون فائدة.

وهكذا كشف “العمل الشاق في المعتقلات” عن وجهه الحقيقي المتمثّل في استغلال العمالة الرخيصة المتوفّرة في معسكرات الاعتقال للدّفع بمشروع الإنتاج والصناعة في الاتحاد السوفيتي إلى القمة.. يقول أحد المسؤولين عن إدارة المعسكر سنة 1927:

استغلال العمل في السجن، نظام استخراج “العرق الذهبي” من المعتقلين، وإدارة الإنتاج في أماكن الحبس قد يكون ذا فائدة تجارية لكنّه لا يملك أي أثر تربوي.

اقتصاد المعسكرات The Camp Economy

إنشاء قناة البحر الأبيض من طرف المعتقلين
إنشاء قناة البحر الأبيض من طرف المعتقلين (سنة 1932).

في سبيل تحويل الاتحاد السوفيتي من دولة فلاحية إلى دولة صناعية ذات اقتصاد يُجاري دول الغرب الرأسمالي، قام ستالين بتسطير مخطط الأعوام الخمسة الأولى The First Five Year Plan، قائلًا:

نحن خلف الدول المتقدمة بما يقارب 50 إلى 100 سنة. يجب أن نغلق هذه المسافة في عشر سنوات، وإلاّ سَحَقُونا.

كانت معسكرات العمل الشاق تحتلّ مرتبة هامة ضمن الوسائل التي وضعتها الدولة في خدمة هذه الأهداف، فقد أُرغِم المُعتقلون على العمل لساعات طويلة قد تصل إلى 16 ساعة في اليوم -أو أكثر- بهدف تحقيق الإنتاجية المسطّرة من طرف السلطات، لكن دون الحصول على معدّات حديثة تساعدهم على أداء مهامّهم أو حتى على وجبات صحية تقوّي أبدانهم.

اعتمد العمل الموجّه للمعتقلين على الجهد الجسدي الذي لا يتطلّب مهارات مسبقة (كقطع الأشجار، الحفر في المناجم..إلخ)، وتم توجيهه لإحراز تقدّم في المشاريع بتكاليف منخفضة، ولهذا فقد اعتبرت الدولةُ معسكرات الاعتقال قوّةً اقتصادية قادرة على مُجاراة إنتاج اليد العاملة الحُرّة مدفوعة الأجرة، وحرصت على دفعها بِعَصَا أكثر حزمًا وقسوة.. وهكذا أتى اقتصاد المعسكرات بثمار حقيقية ومُغرية: بناء المصانع، إنشاء السكك الحديدية والطرقات، استخراج المعادن (60% من الذهب القومي، 40% من الكوبالت القومي، 46.5% من النيكل القومي، الخ).

رغم النتائج الجيّدة التي حققها اقتصاد المعسكرات، إلاّ أنّ الدولة كانت تعاني من مشكلين:

  • الأوّل يتعلّق بوتيرة العمل التي لم تكن ثابتة/ قصوى نتيجة للإعدامات والوفيات المتكررة في صفوف المعتقلين، إنهاك القوى البدنية والنفسية، توجيه أعداد كبيرة من المعتقلين إلى صفوف الجيش الأحمر خلال الحرب العالمية الثانية..الخ.
  • المشكل الثاني هو اتّباع مبدأ مقارنة إنتاج المعتقلين مع العمّال الأحرار، الذي كان يؤدّي إلى زيادة ساعات العمل وتقليص الحصص الغذائية لدفع المعتقلين إلى بذل المزيد من الجهد وفق نظرية مقياس التغذية.. التعامل الاستعبادي اللاعقلاني مع المعتقلين كانت عواقبه وخيمة على صحتّهم، وكان يمنعهم من رفع مردود العمل، ممّا كان يؤدّي إلى المزيد من الحزم من طرف إدارة المعتقلات.. وهكذا تتوالى العواقب في دائرة مغلقة حزينة، والخاسر الأكبر هو: المعتقل!

رعب المعتقلات في عهد ستالين

جثث المعتقلين السياسيين الذين قتلتهم الشرطة السرية في المعتقل. أوكرانيا، 1941
جثث المعتقلين السياسيين الذين قتلتهم الشرطة السرية في المعتقل (أوكرانيا، 1941).

ظروف المعيشة والعمل بين جدران معسكرات Gulag تفاوتت في شدّتها من معسكر لآخر وبين سنة وأخرى لارتباطها باقتصاد الدولة وأمنها، لذا فالسنوات الأصعب كانت تلك التي شهدت مجاعات (مثل مجاعة 1932-1933) أو خلال فترة الحرب العالمية الثانية.

ورغم التفاوت في القسوة، إلاّ أنّ الثابت المتكرّر هو اكتظاظ المعسكرات، العمل في ظروف مناخية قاسية (خصوصا في الشتاء الروسي القارس)، حصص غذاء شحيحة لا تكفي احتياجات الشخص، ملابس غير ملائمة للطقس والعمل، نظام صحّي متعفّن، وشروط سكن كارثية.

كتب النائب العام Andrei Vyshinsky سنة 1938 قائلًا:

هناك ضمن المساجين مَن ثيابُهم رثّةٌ جدًا وأكَلَهم الجليد إلى حدّ يجعلهم يشكّلون خطرًا صحيًا على البقية. لقد ساءت حالة هؤلاء المساجين حتى فقدوا كل شبهٍ مع النوع البشري. حتى أنّ بعض رفاقهم يقولون أنّهم صاروا يأكلون الجرذان والكلاب كي لا يموتوا جوعًا.

يختلف المؤرّخون في تقدير الأعداد الحقيقية للمعتقلين ولضحايا المعسكرات، حيث يقول البعض أنّ 18 مليون شخص مرّ على معسكرات الاعتقال في عهد ستالين، مات منهم أكثر من مليون ونصف معتقل حسب إحصائيات الاتّحاد السوفيتي، لكنّ المؤرّخين يؤكّدون أنّ عدد الموتى يتراوح بين ثلاثة وستة ملايين شخص!

المتّفق عليه هو أنّ الموتى كانوا يُدفنون في حفر جماعية أو في مقابر المعسكرات.. كتب إدوارد بوكا:

كان يتم تحميل الجثث العارية على زلاّجات، بحيث تكون الأقدام في الداخل والرؤوس تتدلّى خارجا. كان كل جسد يحمل لوحة خشبية birka مربوطة بالإصبع الكبير للقدم، كُتِب عليها اسمه ورقمه. قبل عبور باب المعسكر، كان أحد مسؤولي المفوّضة الشعبية للشؤون الداخلية NKVD يقوم بدسّ إبرة في جمجمة كل جسد ليتأكّد أنّه لن يخرج أحدٌ من المعسكر على قيد الحياة. كانت الجثث تُلقى في حفر كبيرة أُعِدَّت مسبقًا في فصل الصيف خارج المعسكر .

معسكرات الاعتقال السوفيتية تشبه إلى حد كبير معسكرات الموت النازية، لكن لماذا لا تتمّ إدانتها عالميًا بنفس الشراسة يا تُرى؟

أوشفيتز .. حين ارتدت النازية ثوبها الأبيض!

كيف تَجعل مِن مُعسكر اعتقال مصدرَ إنتاجٍ يَرفعُ اقتصادَ الدّولة؟ الإجابةُ عِند ستالين بواسطة أراجيك - نثري المحتوى العربي



المصدر : اراجيك

ليست هناك تعليقات